عبد الملك الخركوشي النيسابوري
249
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال : لا مال أعود من العقل ، ولا داء أعظم من الجهل ، ولا مظاهرة كالمشورة ، ألا وإن اللّه - عزّ وجلّ - يقول : « إني جواد كريم ، لا يجاورني لئيم » ، واللؤم من الكفر ، وأهل الكفر في النار ، والجود والكرم من الإيمان ، وأهل الإيمان في الجنة . وعن الحسن المدائني قال : خرج الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب وعبد اللّه بن جعفر - عليهم السلام - حجاجا ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا ، فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا لها : هل من شراب ؟ فقالت : نعم ، وأناخوا إليها وليس لها غير شويهة في كسر الخيمة ، فقالت : احلبوها واشربوا لبنها . ففعلوا ذلك ، ثم قالوا لها : هل من طعام ؟ قالت : لا ، إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم منها ما تأكلون ، فقام إليها أحدهم وذبحها وكشطها ، ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتاحوا قالوا لها : نحن من نفر من قريش نريد هذا الوجه ، فإذا رجعنا سالمين فألمى بنا فإنا صانعون بك خيرا ، ثم ارتحلوا وأقبل زوجها ، فأخبرته بخبر القوم والشاة ، فغضب الرجل وقال : ويلك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم ، ثم تقولين نفر من قريش ، قال ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة ، فدخلا وجعلا ينقلان البعير إليها ويبيعانه ويتعيشان بثمنه ، فمرت العجوز في بعض سكك المدينة ، فإذا الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهما السلام - جالس على باب داره ، فعرف العجوز وهي له منكرة ، فبعث الحسن غلامه ودعا العجوز ، فقال لها : يا أمة اللّه أتعرفينى ؟ قالت : لا ، قال : أنا ضيفك يوم كذا وكذا ، قالت العجوز : بأبى أنت وأمي ، وأنت هو ، قال : نعم ، ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شاء الصدقة ألف شاة وأمر لها معها بألف دينار ، وبعث بها مع غلامه إلى الحسين ، فقال لها الحسين : بكم وصلك الحسن أخي ؟ قالت : بألف شاة وألف دينار ، فأمر لها الحسين بألف شاة وألف دينار ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد اللّه بن جعفر فقال لها : بكم وصلك الحسن والحسين ؟ قالت : بألفي شاة وألفي دينار ، فأمر لها بألفي شاة وألفي دينار ، وقال لها : لو بدأت بي لأتعبتهما ، فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار . وخرج عبد اللّه بن عامر بن كريز من المسجد يريد منزله وهو وحده ، فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه ، فقال له عبد اللّه : ألك حاجة يا غلام ؟ قال : صلاحك وفلاحك ، رأيتك تمشى وحدك فقلت : أقيك بنفسي ، وأعوذ باللّه إن صار بجنابك مكروه ، فأخذ عبد اللّه بيده ومشى معه إلى منزله ، ودعا بألف دينار فدفعها إلى الغلام ، وقال : استنفق هذه فنعم ما أدبك أهلك .